المبحث الثاني: كلمات العلماء حول منهج تفسير القران بالقران

ـ سؤال 1322 : تفسير القرآن بالقرآن ما تقولون فيه ؟ وهل يصح فهم بعض الآيات من خلال آيات أخرى ؟
الخوئي : أحسن التفسير تفسير القرآن بالقرآن حيث يمكن فهم معنى الآية من خلال آيات أخرى ، والله العالم[1]
وجواب السيد الخوئي ينم عن تبحره في التفسير ونظرته العميقة للمناهج، اذ من المعروف عن المحقق الخوئي شدة تشدده بالمنهج العلمي ويلوح ذلك لكل باحث في آرائه في العلوم المختلفة كالرجال والفقه والاصول بل يظهر منه حتى في تفسيره البيان الذي لم يكمله.
ـ إنّ من أبرز مزايا أسلوب الشيخ المفيد – ره – في تعامله مع الآية القرآنية هو اعتماده على النصوص الأخرى في تفسيرها وتحديد أبعادها ، فهو لا يترك آية يتناولها في تفسير وبيان إلَّا وجمع إليها ما يناسبها ويتّصل بها من آي القرآن الكريم ، ثم يستخرج المعنى الأوفى الذي تتّحد عليه كافة النصوص قيد البحث
[2]
ـ من يتتبع طريقة أهل البيت ( عليهم السلام ) في تفسير القرآن يلمس عندهم طريقة متميزة ومبتكرة في تفسير القرآن بالقرآن ، وهذه الطريقة من أفضل الطرق لفهم القرآن ، فإن القرآن خير دليل على القرآن ، وقد جرى على هذه الطريقة في عصرنا الفقيد العلامة الطباطبائي ( رحمه الله تعالى ) ، وأخرج تفسيره القيم ( الميزان ) على هذا الأساس المتين
[3]
ـ ان هذا المنهج من أسمى المناهج الصحيحة الكافلة لتبيين المقصود من الآية كيف وقد قال سبحانه : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) فإذا كان القرآن موضحا لكل شئ ، فهو موضح لنفسه أيضا
[4]
ان هذه الكلمات القيمة من هؤلاء الاعلام تفتح امام الباحث القرآني ابواباً كبيرة للتعرف على منهج تفسير القران بالقران والعمل بدافع قوي يضمن منه السلامة الفكرية في الاتجاه والمنهج وهو يضفي بدوره على الساحة التفسيرية ولا سيما المنهج المطروح، ولصغر حجم البحث لم يؤتى بكل كلمات العلماء والباحثين في هذا المجال، لكن هذا القدر فيه الكفاية ان شاء الله تعالى.

المبحث الثاني: المصنفات في منهج تفسير القران بالقران

1ـ فتح الرحمن في تفسير القرآن بالقرآن: إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الحمزي الحسني الهاشمي المعروف بالأمير ( 1141 – 1213 ه‍ ) واعظ ، مفسر ، من متصوفي الزيدية ، نعته صاحب نيل الوطر بعالم الدنيا وحافظها وخطيب الأمة وواعظها . ولد وتعلم في صنعاء ، ودعا إلى اتباع السنة زاجرا عن الطريقة المذهبية ورحل إلى مكة مرات ثم استقر إلى أن توفي فيها[5]
2ـ اضواء البيان في تفسير القران بالقران : محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي : مفسر مدرس من علماء شنقيط ( موريتانيا ) ، ولد وتعلم بها ، وتوفي بمكة . له كتب ، منها ( أضواء البيان في تفسير القرآن)
[6]
3ـ مفاتيح الرضوان في تفسير القرآن بالقرآن – للسيد إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير الصنعاني الزيدي المتوفى سنة 1213هـ.
3ـ الميزان في تفسير القران : السيد محمد حسين الطباطبائي المفسر الشهير الذي ضاع صيته في ايامانا هذه لما بذل من جهد كبير في خدم القران الكريم والفلسفة الاسلامية ، وهو مبتكر طريقة التفسير الفريدة من نوعها من حيث التنوع المعرفي الذي يدخله الى التفسير مستخرجه من مجموع الآيات المختلفة حول المادة المطروحة، وبذلك عد من مفاخر علماء الاسلام في التفسير في عصرنا هذا، اذ اغنى المكتبة القرآنية بتفسير فريد من نوعه وبابه، وقد اثنى عليه علماء الاسلام ثناء كبيراً ودرس تفسيره وبحث كثيراً وما يزال قبلة محبي علوم القران وتفسيره، وقد اثيرت بعض الاشكالات حول منهج العلامة الطباطبائي اجاب عن بعضها ابرز تلامذته الشيخ محمد تقي اليزدي قائلاً: (لابدّ من فهم مراد العلاّمة (رحمه الله) من منهج تفسير القرآن بالقرآن، وهل إنّ مراده منه هو أنّنا لسنا بحاجة من أجل تفسير القرآن إلى‌ أيّ علم أو شاهد أو قول للأئمّة (عليهم السلام) وأنّه بالإمكان تفسير القرآن بالرجوع إلى نفس القرآن فقط دون الإفادة من سائر العلوم الاخرى؟‌ام إنّ مراده أعمق من ذلك؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ سماحة العلاّمة لا يذهب إلى الادّعاء بأنّ القرآن عندما يطرح مسائل من قبيل الصلاة، وذي القرنين، ويأجوج ومأجوج، وأصحاب الكهف، وما إلى ذلك فإنّ من الممكن فهم أحكام وتفاصيل هذه القضايا من خلال نفس القرآن ومن دون الرجوع إلى أيّ علم آخر)
[7]
4ـ الفرقان في تفسير القران بالقران والسنة: الدكتور الشيخ محمد الصادقي، يعد هذا التفسير من التفاسير المهمة المتأخرة التي تعنى بتفسير القران بالقران وهذا المنهج يظهر من تسمية المؤلف لاسم تفسيره، ويمتلك ثناءً كبيراً من المفسر الشهير السيد محمد حسين الطباطبائي جعلها المصنف مفتاحاً لبداية تفسيره، وله جرأة كبيرة في طرح الآراء حتى وان خالفت الكثير من اهل التفسير، ولغته تكاد تكون صعبة لمن يقرأه اول مرة، فهو يتبع اسلوباً ادبياً عصرياً، والتفسير لم يأخذ زاوية الشهرة والعمل البحثي والدرسي بعد رغم قدمه.

المبحث الثاني: نماذج من تفسير القران بالقران

ـ قوله تعالى : (ومَا اللَّه يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ) وبعد أن استشهد بخمس من الآيات القرآنية على إنّ اللَّه تعالى إنّما يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر قال : ” فأمّا ما تعلَّقوا به من قوله تعالى : (فَمَنْ يُرِدِ اللَّه أَنْ يَهْدِيَه يَشْرَحْ صَدْرَه لِلإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيِّقاً حَرَجاً) فليس للمجبرة به تعلَّق ، ولا فيه حجة من قبل أنّ المعنى فيه :
إنّ من أراد اللَّه تعالى أن ينعّمه ويثيبه جزاء على طاعته ، شرح صدره للإسلام بالألطاف التي يحبوه بها ، فييسّر لها بها استدامة أعمال الطاعات ، والهداية في هذا الموضع هي النعيم ، قال اللَّه تعالى فيما خبّر به عن أهل الجنة : (الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي هَدانا لِهذا)اي نعّمنا به وأثابنا إيّاه ، والضلال في هذه الآية هو العذاب ، قال اللَّه تعالى : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وسُعُرٍ ) ، فسمّى العذاب ضلالا والنعيم هداية . والأصل في ذلك أنّ الضلال هو الهلاك والهداية هي النجاة[8].
ـ قال الله تعالى : ( الله خالق كل شئ ) تكرر مضمون هذه الآية الكريمة في أربعة مواضع من القرآن ، وبحسب هذا المضمون جميع المخلوقات الموجودة في الكون هي من خلق الله تعالى وصنعه ويجب أن لا تغرب عنا هذه النكتة أن في مئات من الآيات صدق موضوع العلية والمعلولية ، ونسب فيها فعل كل فاعل اليه ، واعتبر الأفعال الاختيارية من أفعال الانسان نفسه وخصت الآثار بالمؤثرات كالإحراق بالنار والنبات إلى الأرض والمطر إلى السماء وغيرها ، والنتيجة أن صانع كل شئ وفاعله ينسب فعله وصنعه اليه إلا أن مفيض الوجود والموجد الحقيقي للفعل هو الله تعالى ليس غيره ، ومن هنا نعرف التعميم الذي نجده في قوله تعالى ( الذي أحسن كل شئ خلقه ) ، فلو انضمت هذه الآية السابقة لرأينا الجمال والخلقة قرينين ، فكلما وجد في عالم المخلوقات من خلق كان موصوفا بالجمال
[9]
ـ عن زرقان صاحب ابن أبي داود وصديقه بشدة قال : رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم ، فقلت له في ذلك ، فقال : وددت اليوم انى قد مت منذ عشرين سنة ، قال : قلت له ولم ذاك ؟ قال : لما كان من هذا الأسود أبا جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين المعتصم قال : قلت له : وكيف كان ذلك ؟
قال : ان سارقا أقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه ، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أحضر محمد بن علي عليه السلام ، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع ؟ قال : فقلت من الكرسوع قال : وما الحجة في ذلك ؟ قال : قلت : لان اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع ، لقول الله في التيمم : ” فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ” واتفق معي على ذلك قوم ، وقال آخرون : بل يجب القطع من المرفق ، قال : وما الدليل على ذلك ؟ قالوا لان الله لما قال : ” وأيديكم إلى المرافق ” في الغسل دل ذلك على أن حد اليد هو المرفق قال : فالتفت إلى محمد بن علي عليه السلام فقال ما تقول في هذا يا با جعفر ؟ فقال قد تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين ، قال دعني مما تكلموا به أي شئ عندك ؟ قال اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين قال : أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه فقال اما إذا أقسمت على بالله انى أقول إنهم أخطئوا فيه السنة فان القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فيترك الكف قال : وما الحجة في ذلك ؟ قال : قول رسول الله عليه وآله السلام السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين ، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها ، وقال الله تبارك وتعالى : ” وان المساجد لله ” يعنى به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها ” فلا تدعوا مع الله أحدا ” وما كان لله لم يقطع قال : فأعجب المعتصم ذلك وامر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف قال ابن أبي داود : قامت قيامتي وتمنيت انى لم أك حيا قال زرقان : ان ابن أبي داود قال : صرت إلى المعتصم بعد ثالثة ، فقلت : ان نصيحة أمير المؤمنين على واجبة وانا أكلمه بما أعلم انى أدخل به النار قال : وما هو ؟ قلت : إذا جمع أمير المؤمنين من مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لامر واقع من أمور الدين ، فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك ، وقد حضر المجلس أهل بيته وقواده ووزرائه وكتابه ، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه ، ثم يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بإمامته ، ويدعون انه أولى منه بمقامه ، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء ؟ قال : فتغير لونه وانتبه لما نبهته له وقال : جزاك الله عن نصيحتك خيرا ، قال : فأمر يوم الرابع فلانا من كتاب وزرائه بأن يدعوه إلى منزله فدعاه فأبى ان يجيبه ، وقال : قد علمت انى لا أحضر مجالسكم ، فقال : انى إنما أدعوك إلى الطعام وأحب ان تطأ ثيابي وتدخل منزلي فأتبرك بذلك وقد أحب فلان بن فلان من وزراء الخليفة لقائك فصار إليه ، فلما أطعم منها أحس السم فدعا بدابته فسأله رب المنزل أن يقيم ، قال : خروجي من دارك خير لك ، فلم يزل يومه ذلك وليله في خلفه حتى قبض صلى الله عليه وآله
[10]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ صراط النجاة: السيد ابو اقاسم الخوئي(ت 1413هـ) ، ط1، 1416هـ ، ج1، ص469.

[2] ـ تفسير القران المجيد: المستخرج من تراث الشيخ محمد بن النعمان المفيد( ت 413هـ) ، مركز الثقافة والمعارف القرآني المساهمون : محمد الفاطمي الابهري ، مهدي القماشي ، هادي الشاهرخي ، مهدي الشاهرخي ، صاحب على المحبي، تحقيق، السيد محمد علي ايازي، ط1، 1424هـ ، الناشر مؤسسة بوستان ـ ايران، ص16.

[3] ـ الشيخ محمد مهدي الاصفي، من مقدمته لكتاب تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني.

[4] ـ الايمان والكفر في الكتاب والسنة: الشيخ جعفر السبحاني، ص210.

[5] ـ الاعلام: خير الدين الزركلي(ت 1410هـ) ، دار العلم للملايين بيروت لبنان ، ط5، 1980م، ج1، ص69.

[6] ـ الاعلام: ج6،ص45.

[7] ـ الموقع الاعلامي لآثار الشيخ محمد تقي مصباح اليزي المعاصر: من كلمة له في مؤتمر الوطني تحت شعار (المنهج التفسيري للعلامة الطباطبائي).

[8] ـ تفسير القران المجيد: ص16.

[9] ـ القران في الاسلام: السيد محمد حسين الطباطبائي، تعريب السيد احمد الحسيني، ص69.

[10] ـ تفسير العياشي: محمد بن مسعود العياشي(ت 320هـ)، تحقيق السيد هاشم المحلاتي، نشر المكتبة العلمية بطهر ان، ج1،